وجه الرب ووجهنا

2026-09-25

وجه الرب ووجهنا

وجه الرّب

«يُضِيءُ الرَّبُّ بِوَجْهِهِ عَلَيْكَ وَيَرْحَمُكَ» (عدد 6: 25). عبارة «وجه الرب» في الكتاب المقدّس لا تعني وجهًا ماديًا أو جسديًا، بل تشير إلى الحضور الإلهي. في اللغة العبرية في العهد القديم، كلمة «وجه» هي (paním) ، وهي، بالإضافة إلى معناها الحرفي «الوجه»، تحمل معاني أخرى، منها: ما يتجه نحو الخارج، والحضور، والأمام، والجهة التي يتوجّه إليها الشخص، والالتفات، والإقبال على، بل وأحيانًا الشخص نفسه بكليّته.

صيغة الجمع

تأتي الكلمة العبرية (paním) بصيغة الجمع، حتى عندما يكون المقصود «وجه» إنسان واحد. وهي تُستعمل للدلالة على الجمع، أي عدة أشخاص، كما تُستعمل أيضًا للدلالة على المفرد، أي شخص واحد. وطبعًا، لا يعني هذا أن الإنسان له «وجوه» متعددة.

هناك من يفسّر صيغة الجمع بالقول إن الوجه يتكوّن من عدة أجزاء، مثل العينين والأنف والفم وغيرها. ويرى آخرون أن هذه الصيغة موروثة من مرحلة ساميّة أقدم. وهناك أيضًا تفسير يربط صيغة الجمع بتعدّد المعاني التي تحملها الكلمة. ومن أجمل هذه المعاني: الالتفات والحضور، وهما يحملان دلالات روحية عميقة.

الحضور الإلهيّ

فعندما نقول: «يُضِيءُ الرَّبُّ بِوَجْهِهِ عَلَيْكَ وَيَرْحَمُكَ» (عدد 6: 25). يمكن فهم العبارة في معنى قريب من: «ليُضِئ يهوه وجهه نحوك»، أي أن الرب يلتفت إليك بحضوره ورحمته. وكذلك: «يَرْفَعُ الرَّبُّ وَجْهَهُ عَلَيْكَ وَيَمْنَحُكَ سَلَامًا» (عدد 6: 26).

إن «وجه الرب» في هذا السياق ليس مجرد وصف لملامح جسدية، بل هو تعبير غني عن حضور الله، والتفاتِه إلى الإنسان، وإقباله عليه بالرحمة والسلام.

الالتفاتة الإلهيّة

وجه الرب في الأيقونة هو التفاتة نحونا وحضوره معنا. وكذلك وجه والدة الإله ووجوه القديسين في الأيقونة، فهم يلتفتون نحو الرب ونحونا، في علاقة حضور ولقاء.

مشتهى قلبنا هو وجه الرب، كما نصلّي في المزامير: «لَكَ قَالَ قَلْبِي: قُلْتَ: اطْلُبُوا وَجْهِي. وَجْهَكَ يَا رَبُّ أَطْلُبُ.» (مزمور 27: 8)

وهكذا تكون مسيرتنا كلّها مع الرب، كما يقول المرنّم: «اُطْلُبُوا الرَّبَّ وَقُدْرَتَهُ. الْتَمِسُوا وَجْهَهُ دَائِمًا.» (مزمور 105: 4). فالعاشق لا يطلب شيئًا آخر؛ إنّه يريد فقط أن يتأمّل وجه معشوقه، وأن يبقى في حضرته. وإذ غصنا في سرّ التدبير الإلهي، أدركنا أن الرب هو العاشق للإنسان، وأنّه يريد للإنسان أن يصير أيقونةً لامعةً، مشرقةً، نورانيةً، تعكس حضوره ونوره. وهنا، ما علينا إلا أن نطلب من يسوع أن يمنحنا فهمًا ونورًا داخليًا، لكي ندرك مشيئته ونفهم معنى كلامه. هذا يتمّ باللقاء؛ لقاء الوجه بالوجه أي الحضور الإلهي.

موسى النبيّ والله

لنتأمّل في الحوار الذي جرى بين الرب وموسى النبي، حين قال له الأخير وهو في وسط البرية: «فَالآنَ، إِنْ كُنْتُ قَدْ وَجَدْتُ نِعْمَةً فِي عَيْنَيْكَ، فَعَلِّمْنِي طَرِيقَكَ حَتَّى أَعْرِفَكَ، لِكَيْ أَجِدَ نِعْمَةً فِي عَيْنَيْكَ.» فأجابه الرب: «وَجْهِي يَسِيرُ فَأُرِيحُكَ.» (خروج 33: 13-14).

في هذه الكلمات نلمس معنى عميقًا لـ«وجه الرب». فالله لا يعد موسى بأن يعطيه خارطة للطريق فحسب، بل يعده بحضوره: «وجهي يسير». أي إنّ الله نفسه يسير معه ومع شعبه، يحضر بينهم، ويقودهم في مسيرتهم.

لكنّ هذا الحضور الذي عاشه موسى كخبرة إلهية ووعد، سيأخذ في المسيح وجهًا بشريًا منظورًا. فما كان موسى يطلبه في البرية، حين قال: «حتى أعرفك»، صار في المسيح لقاءً مباشرًا؛ صار حضورًا يمكن أن يُرى ويُلمس ويُعاش، إذ صار الكلمة جسدًا. ومن هنا نفهم جمال الوعد الذي أعطاه المسيح لتلاميذه: «وَهَا أَنَا مَعَكُمْ كُلَّ الأَيَّامِ إِلَى انْقِضَاءِ الدَّهْرِ.» (متى 28: 20). هذا الوعد لا يقتصر على التلاميذ فحسب، بل يمتدّ إلينا أيضًا.

الاكتمال في المسيح

وهكذا، ما بدأ مع موسى كطلبٍ للمعرفة والحضور: «علّمني طريقك حتى أعرفك»، يصل إلى ملئه في المسيح الذي يقول: «أنا هو الطريق». لم يعد الإنسان يطلب فقط أن يسير وجه الرب أمامه، بل صار مدعوًا أن يلتقي وجهه بوجهه.

ومن هنا يبدأ التحوّل: الإنسان الذي يثبت نظره في وجه المسيح، لا يبقى كما هو. فلقاء الوجه بالوجه ليس مجرّد نظر، بل هو لقاء يغيّر الإنسان من الداخل، ويملؤه من النور الإلهي، حتى يصير وجهه هو أيضًا شاهدًا للحضور الذي التقى به.

وهكذا تمتدّ المسيرة من «وجهي يسير» مع موسى، إلى «أنا معكم» في المسيح، وصولًا إلى الإنسان الذي يعيش هذا الحضور ويصير، بنعمة الله، أيقونةً حيّةً لنوره.

ملاحظة مهمّة

عندما يقول الرب: «لاَ تَقْدِرُ أَنْ تَرَى وَجْهِي، لأَنَّ الإِنْسَانَ لَا يَرَانِي وَيَعِيشُ». (خروج 33: 20) يقصد بذلك جوهره الإلهي الذي لا يستطيع الإنسان أن يدركه أو يحتمل رؤيته. وهذا ما تعبّر عنه الدائرة الثالثة الأغمق التي تكون خلف الرب في أيقونة التجلي مثلًا. وأمام هذا الظهور الإلهي، نرى التلاميذ الثلاثة وقد سقطوا على وجوههم خوفًا (متى 17: 6).

الوجه المتألّه

في الخلاصة، نزل موسى من الجبل إلى الشعب بعد لقائه بالرب، وكان وجهه يلمع، فخافوا أن يقتربوا إليه (خروج 34: 29-30)، لدرجة أن موسى اضطر إلى أن يضع برقعًا على وجهه. لقد دخل موسى إلى حضرة الرب، والنور الذي اقترب منه لم يبقَ خارجًا عنه، بل ملأ كيانه بالكليّة، حتى فاض على وجهه، وصار وجهه يلمع بنور الحضور الإلهي.

هكذا يصبح الوجه المتألّه نورانيًّا ومفتوحًا على السماء، يستقبل النور الإلهي ويعكسه، وهكذا تظهر الوجوه في الأيقونة، لا وجود لأي ظلال فيها. وها هو الرب يقول لنا: «أريد أن أجعل وجهكم مثل وجهي، فاستنيروا».

إلى الرب نطلب.

من القسم نفسه