تعريف الأيقونة

2026-08-14

 تعريف الأيقونة

يبدأ المسار من لحظة خَلْق الله للإنسان إلى تألُّه الإنسان بقوى الله غير المخلوقة، التي تنحدر نحوه، هذا إنْ جاهد بحقٍّ وصدق وتوبة، وتنقَّى واستنار. فهدف وجود الأيقونة : الدعوة إلى الصلاة لنصبح أيقونات.

تعريف:

كلمة «أيقونة» في اليونانية الحديثة هي εικόνα (eikóna)، وأصلها في اليونانية القديمة هو  εἰκών (eikṓn) حيث كانت تأتي εἰκών  في صيغة المفرد في حالة الرفع، بينما εἰκόνα (eikóna) هي صيغة المفرد في حالة النصب. أمّا في اليونانية الحديثة، فأصبحت εικόνα (eikóna) هي صيغة المفرد الأساسية للكلمة.

وتدلّ الكلمة، في أصلها اليوناني، على الصورة، والهيئة، والمظهر، والشَّبَه، والتمثيل الذي يشير إلى أصله أو يمثّله، وقد تُستعمل أيضًا بمعنى مثال أو نموذج أو تمثال. وكانت تُستخدم في اليونانية القديمة، من بين استعمالاتها، للإشارة إلى صور وتماثيل الملوك والأباطرة، باعتبارها تمثّل الشخص وتشير إليه، من دون أن تكون هي الشخص نفسه.

ومن المهم هنا التمييز بين εἰκών وبين ما نسمّيه اليوم الصورة الفوتوغرافية. فالصورة الفوتوغرافية تُسمّى باليونانية φωτογραφία (fotografía)، وهي كلمة مركّبة من φῶς (phōs)، أي «الضوء»، وγραφή (graphḗ)، أي «الكتابة أو الرسم»؛ ومن هنا يأتي معناها الشائع تقريبًا: «الكتابة بالضوء». أمّا εἰκών فمفهومها أوسع من مجرد تسجيل بصري لملامح شخص أو شيء، إذ تتضمن معنى الصورة التي تمثّل الأصل وتشير إليه.

وفي الكتاب المقدس وفي الترجمة السبعينية اليونانية للعهد القديم (حوالي القرن الثالث قبل الميلاد) تكتسب εἰκών بُعدًا لاهوتيًا مهمًا. ففي سفر التكوين، تُترجم الكلمة العبرية צֶלֶם  (ṣelem)، التي تعني «الصورة» أو «التمثيل»، إلى اليونانية بـ εἰκών في عبارة: «على صورتنا» (تكوين 1:26). وهنا لا تعني «الصورة» مجرد شكل أو ملامح خارجية، بل ترتبط بهوية الإنسان ودعوته ووظيفته بوصفه مخلوقًا على صورة الله. هذا تمامًا المعنى المسيحي واللاهوتي والبيبلي لكلمة "أيقونة".

ثم يبلغ مفهوم εἰκών ذروةً لاهوتية في العهد الجديد، حيث يُقال عن المسيح: «الذي هو صورة الله غير المنظور»  εἰκὼν τοῦ θεοῦ τοῦ ἀοράτου؛  (كولوسي 1:15). وهنا لا تعني εἰκών مجرد صورة أو نسخة عن الله، بل تشير إلى المسيح بوصفه إعلانًا منظورًا للإله غير المنظور؛ أي أن الابن، بتجسده، صار منظورًا في إنسانيته، وأعلن الآب وأظهره للإنسان.

ومن هنا نشأ المعنى اللاهوتي المسيحي للأيقونة. فـالأيقونة ليست مجرد كتابة فنيّة بالخطوط والألوان، بل تعبّر عن هويّة الشخص المصوّر أو المكتوب في الأيقونة وتتجاوز  بكثير الدلالة اللغوية العامة للمصطلح. هي ترتبط بالشخص وتشير إليه. وفي التسليم المسيحي المقدّس، ارتبط هذا المفهوم بصورة خاصة بسرّ التجسد الإلهيّ: فالكلمة صار جسدًا، لحمًا، أي صار إنسانًا منظورًا، ولذلك أمكن تصويره من حيث ظهوره وتجسده الإنساني، دون أن يعني ذلك تصوير الجوهر الإلهي غير المنظور.

هذا كلّه يقودنا إلى معنى أعمق لهويتنا نحن. فإذا كان الإنسان قد خُلق على صورة الله فهو مدعو لتحقيق الشبه، وإذا كان المسيح هو «صورة الله غير المنظور»، فإن هويّتنا المسيحية لا تقتصر على مجرد الانتساب إلى المسيحية بالاسم، بل هي دعوة إلى أن تتشكّل صورة المسيح فينا، وأن يظهر المسيح في حياتنا، فنصير صورةً حيّةً له.

فكما تشير الأيقونة إلى الشخص الذي تمثّله، كذلك يُفترض أن تشير حياة المسيحي إلى المسيح: أن يرى الآخرون في حياتنا صورة المسيح، لا لأننا المسيح، بل لأن حياته وصورته تتشكّلان فينا.

ومن هنا يمكن فهم الأيقونة لا بوصفها مجرد موضوع يُنظر إليه، بل أيضًا دعوةً إلى العبور: أن ننتقل من النظر إلى صورة المسيح إلى أن نصير، بنعمة الله، أيقونة حيّةً تشير إليه.

من القسم نفسه