اللغة التنزيهيّة والظلمة الإلهيّة

2026-08-09

اللغة التنزيهيّة والظلمة الإلهيّة

ليس الربّ محبّةً فحسب، بل هو فوق كلّ محبّة، وفوق كلّ وصفٍ وتحديد؛ لأنّ حقيقته الإلهية تتجاوز كلّ ما يستطيع العقل البشري أن يدركه أو يعبّر عنه.

اللغة التنزيهيّة والظلمة الإلهيّة

نتكلّم عن الله في المقاربة التنزيهيّة (Apophatisme) بالإقرار بأنّ الله يسمو على كلّ ما يمكن للعقل البشري أن يحيط به فلا يمكن الإحاطة بجوهره الإلهي.

كلمة "apofatikós - ἀποφατικός" تشير إلى هذا المنهج القائم على النفي والتنزيه؛ فنقول مثلًا: «الله ليس محبّةً فحسب، بل فوق كلّ محبّة، وفوق كلّ وصف وتحديد».

وهذا لا يعني أنّ الله مجهول بمعنى أنّه لا يمكن للإنسان أن يعرفه، بل يعني أنّ جوهره الإلهي لا يمكن للعقل المخلوق أن يحيط به. فالله يعلن ذاته للإنسان، ويقترب منه، ويدخل معه في علاقة، لكنّ هذا الإعلان لا يعني أنّ الإنسان أصبح قادرًا على استيعاب ماهيّة الله أو الإحاطة بسرّه.

موسى النّبيّ والضباب

هناك حادثة في العهد القديم تعبّر بوضوح عن هذا المعنى، وذلك عندما صعد موسى النبي إلى الجبل ليتلقّى الوصايا من الرب. فنقرأ:

«فَوَقَفَ الشَّعْبُ مِنْ بَعِيدٍ، وَأَمَّا مُوسَى فَاقْتَرَبَ إِلَى الضَّبَابِ حَيْثُ كَانَ اللهُ» (خروج 20:21).

فالضباب هنا يحمل دلالة عميقة في المقاربة التنزيهيّة: الشعب يقف من بعيد، أمّا موسى فيقترب إلى الضباب حيث كان الله. فالله حاضر، وموسى يقترب منه، لكنّ هذا الاقتراب يتمّ داخل حجاب يحجب الرؤية ويشير إلى سرّ إلهي يتجاوز قدرة الإنسان على الإحاطة.

الظلمة الإلهيّة: الضباب

كلمة «الضباب» في النص العبري تشير إلى معنى أعمق من الضباب بالمعنى المعتاد. فاللفظة الواردة هي עֲרָפֶל (ʿărāpel)، وهي تدلّ على السحاب الكثيف المظلم، أو العتمة الكثيفة، أو الظلمة الحاجبة. ومن ثمّ فالنص لا يصوّر مجرّد سحابة في السماء، بل يستخدم صورة الظلمة الكثيفة التي تحجب الرؤية وتحيط بالحضور الإلهي.

فالظلمة هنا ليست مجرّد غياب للنور، ولا تعني أنّ الله هو الظلام، بل هي صورة للحجاب الذي يحيط بالسرّ الإلهي. الله حاضر، لكن حضوره لا يصبح بذلك موضوعًا للإحاطة البشرية؛ بل يبقى جوهره متعاليًا عن كل إدراك مخلوق.

وبهذا المعنى يجب أن تُفهم الترجمات الأجنبية l'obscurité في الفرنسية وthe thick darkness في الإنجليزية.

الترجمة السبعينيّة

نجد في الترجمة السبعينيّة اليونانيّة للعهد القديم (حوالي ق 3 قبل الميلاد) كلمة γνόφος (gnóphos) في هذا الموضع، وهي كلمة تدلّ على العتمة الكثيفة والظلمة الحاجبة. وهي تختلف في دلالتها عن νεφέλη (nephélē) التي تعني «السحابة» بصورة عامة. ومن ثمّ فإن استعمال γνόφος ينسجم بصورة واضحة مع طبيعة المشهد الكتابي، حيث لا تكون السحابة مجرّد ظاهرة جوّية، بل علامة على الحجاب الذي يرافق ظهور الله.

وتظهر كلمة γνόφος أيضًا في الرسالة إلى العبرانيين، في وصف جبل سيناء: «لأَنَّكُمْ لَمْ تَأْتُوا إِلَى جَبَلٍ مَلْمُوسٍ مُضْطَرِمٍ بِالنَّارِ، وَإِلَى ضَبَابٍ وَظَلاَمٍ وَزَوْبَعَةٍ» (عبرانيين 12:18).

كما تستعمل السبعينيّة الكلمة نفسها في وصف الظلمة التي حلّت على أرض مصر: «فَمَدَّ مُوسَى يَدَهُ نَحْوَ السَّمَاءِ، فَكَانَ ظَلاَمٌ دَامِسٌ فِي كُلِّ أَرْضِ مِصْرَ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ» (خروج 10:22).

وهكذا نرى أنّ γνόφος يمكن أن تحمل في السياقات الكتابيّة معنى العتمة الكثيفة التي تحجب الرؤية، وهو معنى ينسجم مع صورة עֲרָפֶל في مشهد سيناء.

الظلمة التي تحجب ولا تغيب

هذا المعنى يظهر أيضًا في المزمور الثامن عشر، حيث ترتبط صورة الظلام والسحاب بظهور الله: «طَأْطَأَ السَّمَاوَاتِ وَنَزَلَ، وَضَبَابٌ تَحْتَ رِجْلَيْهِ. رَكِبَ عَلَى كَرُوبٍ وَطَارَ، وَهَفَّ عَلَى أَجْنِحَةِ الرِّيَاحِ. جَعَلَ الظُّلْمَةَ سِتْرَهُ. حَوْلَهُ مِظَلَّتَهُ ضَبَابَ الْمِيَاهِ وَظَلاَمَ الْغَمَامِ» (مزمور 18: 9 -11).

فالظلمة هنا ليست غيابًا لله أو وصفًا لطبيعة الله، وكأن الله هو «ظلام»، بل على العكس، هي صورة لسرّ الله غير المُدرَك في جوهره. إنّها سترٌ يحجب مجده عن الإدراك المباشر. وهذا يعبّر بصورة عميقة عن المفارقة الإلهيّة: يقترب الله من الإنسان ويعلن ذاته له، لكن جوهره يبقى مستترًا عن كل إحاطة مخلوقة.

وهذا ما نراه بصورة جميلة أيضًا عند إحضار تابوت العهد إلى هيكل أورشليم. يقول سفر الملوك الأوّل: «وَكَانَ لَمَّا خَرَجَ الْكَهَنَةُ مِنَ الْقُدْسِ أَنَّ السَّحَابَ مَلأَ بَيْتَ الرَّبِّ، وَلَمْ يَسْتَطِعِ الْكَهَنَةُ أَنْ يَقِفُوا لِلْخِدْمَةِ بِسَبَبِ السَّحَابِ، لأَنَّ مَجْدَ الرَّبِّ مَلأَ بَيْتَ الرَّبِّ. حِينَئِذٍ تَكَلَّمَ سُلَيْمَانُ: قَالَ الرَّبُّ إِنَّهُ يَسْكُنُ فِي الضَّبَابِ. إِنِّي قَدْ بَنَيْتُ لَكَ بَيْتَ سُكْنَى، مَكَانًا لِسُكْنَاكَ إِلَى الأَبَدِ» (1 ملوك 8: 10-13).

وهنا تبلغ الصورة ذروتها:

السحاب يملأ الهيكل، ومجد الرب يملأ المكان، وسليمان يعلن أنّ الرب يسكن في الضباب. فالحجاب لا يدلّ على غياب الله، بل على حضوره المهيب الذي يفوق الإدراك.

من الظلمة الإلهيّة إلى معرفة الله

وهكذا تكشف لنا هذه النصوص الكتابيّة عن مفارقة عميقة في طريقة إعلان الله عن ذاته: الله يقترب من الإنسان، لكنّه في الوقت نفسه يبقى غير مُدرَك في جوهره.

يقترب موسى من الله، لكنّه يقترب إلى الضباب؛ ويمتلئ الهيكل من مجد الرب، لكنّ هذا المجد يأتي محجوبًا في السحاب. فالحجاب لا يعني غياب الله، بل يعني أنّ حضوره يتجاوز قدرة الإنسان على الإحاطة.

وهذا هو جوهر اللاهوت التنزيهي: كلّما تقدّم الإنسان في معرفة الله، أدرك أنّ الله أسمى من كلّ مفهوم وأوسع من كلّ تحديد. فنحن لا نقول إنّ الله مجهول، بل نقول إنّ جوهره غير قابل للإحاطة. نعرف الله لأنّه يعلن ذاته، لكنّنا لا نحيط بماهيّته الإلهيّة.

وهنا تأتي خبرة موسى بوصفها صورة بليغة لهذا السرّ: «اقترب إلى الضباب حيث كان الله». فموسى يقترب، لكنّه لا يخترق سرّ الجوهر الإلهي. إنّه يدخل إلى الحجاب، لا لكي يمتلك سرّ الله، بل لكي يقف أمام سرّ يتجاوز العقل.

وهذا المعنى سيأخذ عمقًا كبيرًا في التقليد الآبائي، ولا سيّما عند القدّيس غريغوريوس اللاهوتي، الذي شدّد على سموّ الله وعدم إمكان الإحاطة به. فالله ليس موضوعًا يمكن للعقل المخلوق أن يستنفد حقيقته بالتعريفات، بل هو السرّ الذي كلّما اقترب الإنسان منه ازداد إدراكه لعظمة ما يتجاوز العقل.

ومن هنا نفهم أنّ الظلمة الإلهيّة لا تعني أنّ الله ظلام، بل تعني أنّ النور الإلهي، بسبب سموّه، يتجاوز قدرة العقل المخلوق على الإحاطة. فالذي هو نور كامل في ذاته قد يكون بالنسبة إلى العقل المخلوق كأنّه ظلمة، لا لأنّ فيه نقصًا، بل لأنّ في المخلوق عجزًا عن استيعاب ما هو غير محدود.

من الظلمة إلى نور التجلّي

لا يتركنا الكتاب المقدّس عند «الظلمة» وحدها؛ فالذي يحجب نفسه في السحاب هو نفسه الذي يكشف مجده في النور. وهنا نصل إلى حدث التجلّي.

في التجلّي لا ننتقل من إله مجهول إلى إله أصبح معلومًا في جوهره، بل نرى إعلانًا حقيقيًا لمجد الله في المسيح، دون أن يصبح الجوهر الإلهي قابلًا للإحاطة.

وهكذا تتكامل الصورتان: الظلمة الإلهيّة تشير إلى عدم إمكان الإحاطة بجوهر الله، ونور التجلّي يشير إلى إعلان مجده وحضوره.

فالذي لا يُدرَك في جوهره يمكنه أن يعلن ذاته للإنسان؛ والذي لا تستطيع الخليقة أن تحيط به يمكنه أن يقترب منها ويمنحها أن تشترك في حضوره ومجده.

هذا تمامًا ما تظهره أيقونة التجلّي، فالدوائر الثلاث الملتصقة بالمسيح، والتي تبدو كأنّها خلفه، تتدرّج من الأفتح إلى الأغمق، في إشارة رمزيّة إلى النور الإلهي الذي يفوق الإدراك، وإلى أنّ جوهر الله لا يمكن لمخلوق أن يدركه أو يحيط به.

وهنا نصل إلى سرّ عظيم في الإيمان المسيحي: الإله الذي لا يُدرَك في جوهره هو نفسه الإله الذي يعلن ذاته، ويقترب من الإنسان، وفي ملء الزمان يتجسّد في يسوع المسيح دون أن يتخلّى عن ألوهيّته.

فالتجسّد لا يعني أنّ اللامحدود أصبح محدودًا في جوهره، ولا أنّ الله توقّف عن كونه إلهًا، بل يعني أنّ الابن الإلهي اتخذ الطبيعة البشريّة وصار إنسانًا، دون أن يفقد ألوهيّته.

وهكذا يقودنا اللاهوت التنزيهي من «الظلمة» إلى «النور»: من الاعتراف بأنّ جوهر الله يفوق كلّ إدراك، إلى الدهشة أمام الله الذي شاء، من فيض محبّته، أن يقترب من الإنسان ويعلن ذاته له.

إنّه الإله الذي لا يُحاط به، لكنه يُعرَف؛ لا يُحدّ، لكنه يُعلَن؛ لا تراه الخليقة في جوهره، لكنه يقترب منها ويكشف مجده.

من الهيكل الحجري إلى هيكل الإنسان

بالعودة إلى ما قاله سليمان الحكيم، نجد مفارقة مهمّة جدًا. فبعد أن قال إنّ الرب «يسكن في الضباب»، وإنّه بنى له بيتًا للسكنى، يعود فيتساءل أمام عظمة الله:

«لأَنَّهُ هَلْ يَسْكُنُ اللهُ حَقًّا عَلَى الأَرْضِ؟ هُوَذَا السَّمَاوَاتُ وَسَمَاءُ السَّمَاوَاتِ لَا تَسَعُكَ، فَكَمْ بِالأَقَلِّ هَذَا الْبَيْتُ الَّذِي بَنَيْتُ؟» (1 ملوك 8:27).

وهنا تتجلّى المفارقة بوضوح: الرب حاضر في الهيكل، لكن الهيكل لا يحصره؛ يسكن في الضباب، لكن الضباب لا يحدّه؛ تُعلن السماء مجده، لكن السماوات وسماء السماوات لا تسعه. فكلّ موضع يُنسب فيه إلى الله «السكن» لا يعني أنّ الله صار محدودًا بالمكان، بل يعني أنّه يعلن حضوره في المكان دون أن يُحصر فيه.

لكن هذا المعنى يبلغ كماله وتمامه في العهد الجديد، إذ لم يعد الأمر مجرّد سكنى رمزيّة في هيكل من حجارة، بل صار التجسّد نفسه:

«وَالْكَلِمَةُ صَارَ جَسَدًا وَحَلَّ بَيْنَنَا، وَرَأَيْنَا مَجْدَهُ، مَجْدًا كَمَا لِوَحِيدٍ مِنَ الآبِ، مَمْلُوءًا نِعْمَةً وَحَقًّا» (يوحنا 1:14).

إنّ التعبير «وحلّ بيننا» يحمل في ذاته صدى صورة السكنى الإلهيّة؛ فالذي لا تسعه السماوات، والذي لا يُدرَك جوهره، شاء أن يقترب من الإنسان بصورة لم تكن مجرّد ظهور عابر أو حضور في مكان مقدّس، بل باتخاذ الطبيعة البشريّة نفسها.

وهنا نصل إلى سرّ التجسّد: الرب لم يأتِ ليسكن في الحجر، بل أتى ليسكن بين البشر، وليأخذ طبيعتنا البشريّة ويجعلها موضعًا لإعلان مجده.

ومن هنا أيضًا نفهم دعوة الإنسان في المسيح: فالإنسان لم يعد مجرّد متلقٍّ للحضور الإلهي، بل مدعوّ إلى أن يصير هيكلًا حيًّا لله، وأن يتجدّد بحسب صورة المسيح، حتى يصبح، بنعمة الله، أيقونة حيّة تعكس شبهه.

وهكذا ينتقل الكتاب المقدّس بنا من الضباب إلى التجسّد، ومن الهيكل الحجري إلى هيكل الإنسان، ومن الحضور المحجوب في السحاب إلى حضور الكلمة المتجسّد بيننا.

فالذي لا تسعه السماوات، والذي لا يحيط به عقل مخلوق، شاء من فيض محبّته أن يقترب من خليقته، وأن يسكن بيننا، وأن يجعل من الإنسان مسكنًا حيًّا لحضوره. فالرب تجسّد ليسكن في البشر وليس في الحجر، ويجعلنا أيقونات حيّة كشبهه.

من المسكن إلى التجسّد: «ونصب خيمته بيننا»

وهنا تظهر دلالة لغويّة ولاهوتيّة بالغة الجمال في إنجيل يوحنا. فعندما يقول الإنجيلي: «وَالْكَلِمَةُ صَارَ جَسَدًا وَحَلَّ بَيْنَنَا» (يوحنا 1:14)،

فالفعل اليوناني المستعمل هو ἐσκήνωσεν (eskēnōsen)، من الفعل σκηνόω (skēnoō)، المرتبط بالاسم σκηνή (skēnē) الذي يعني «الخيمة» أو «المسكن». ولذلك يمكن نقل العبارة بصورة تُظهر إيحاءها الأصلي: «والكلمة صار جسدًا ونصب خيمته بيننا»، أو: «والكلمة صار جسدًا وسكن بيننا».

وهنا نلمس امتدادًا عميقًا لفكرة السكنى الإلهيّة في العهد القديم. ففي العبرية يرتبط حضور الله في المسكن والهيكل بجذر שָׁכַן (šākan)، أي «سكن، أقام، حلّ»، ومن هذا الجذر تأتي كلمة מִשְׁכָּן (miškān)، أي «المسكن»، في إشارة إلى خيمة الاجتماع التي كان فيها حضور الرب في وسط شعبه.

فنحن أمام خطّ لاهوتي متدرّج: الله يسكن في وسط شعبه، ثم يأتي يوحنا ليعلن أن الكلمة نفسه قد صار جسدًا ونصب خيمته بين البشر.

وهذا لا يعني أنّ ἐσκήνωσεν وשָׁכַן من الجذر اللغوي نفسه؛ فهما من لغتين وجذرين مختلفين. لكنّهما يلتقيان بصورة لافتة في مفهوم السكنى والحضور الإلهي، كما أن استعمال يوحنا للفعل المشتق من «الخيمة» يستدعي في ذهن القارئ الكتابي صورة المسكن والخيمة التي ارتبطت بحضور الله وسط شعبه.

وهنا يصبح ما كان رمزًا في العهد القديم واقعًا في شخص المسيح.

  • في سيناء، كان حضور الله مرتبطًا بالـעֲרָפֶל، بالغمام المظلم الذي يحجب الرؤية.

  • وفي خيمة الاجتماع والهيكل، كان حضور الله يُعلن في المسكن، وسط شعبه.

  • أما في إنجيل يوحنا، فقد صار الحضور الإلهي متجسّدًا: الكلمة صار جسدًا ونصب خيمته بين البشر.

ولهذا يتابع يوحنا قائلًا:

«وَرَأَيْنَا مَجْدَهُ، مَجْدًا كَمَا لِوَحِيدٍ مِنَ الآبِ، مَمْلُوءًا نِعْمَةً وَحَقًّا» (يوحنا 1:14).

وهنا تكمن المفارقة العظيمة: ما كان محجوبًا في العهد القديم يُعلن الآن في شخص الكلمة المتجسّد. فالمجد الذي ارتبط بالسحاب والضباب والحجاب يظهر الآن في المسيح، لا بوصفه إلغاءً لسرّ الله أو كشفًا لجوهره بطريقة تحيط به عقولنا، بل بوصفه إعلانًا حقيقيًا لمجد الله في الكلمة الذي صار إنسانًا.

ولهذا لا يقول يوحنا فقط: «سمعنا عنه» أو «عرفنا عنه»، بل يقول: «رأينا مجده». بل إن يوحنا نفسه يؤكد في رسالته الأولى حقيقة هذا الاقتراب الحسي من الكلمة:

«الَّذِي كَانَ مِنَ الْبَدْءِ، الَّذِي سَمِعْنَاهُ، الَّذِي رَأَيْنَاهُ بِعُيُونِنَا، الَّذِي شَاهَدْنَاهُ، وَلَمَسَتْهُ أَيْدِينَا، مِنْ جِهَةِ كَلِمَةِ الْحَيَاةِ» (1 يوحنا 1:1).

فالمسافة بين الله والإنسان تأخذ هنا بُعدًا جديدًا: لم يعد الحضور الإلهي مرتبطًا فقط بمكان مقدّس أو محجوبًا وراء السحاب، بل صار الكلمة نفسه حاضرًا بين البشر في جسد حقيقي. الذي كان خلف الحجاب صار بيننا؛ والذي كان يُعلن مجده في المسكن صار هو نفسه مسكن الحضور الإلهي في بشريته.

المسار الخلاصي: من الحجاب إلى الحضور المتجسّد

فلنلاحظ إذًا المسار الخلاصي في الكتاب المقدّس:

  • في سيناء: مجد الله في وسط الظلمة والغمام، والحضور الإلهي وراء الحجاب.

  • في خيمة الاجتماع والهيكل: مجد الله يحلّ في المسكن، ويكون حضور الرب في وسط شعبه.

  • في إنجيل يوحنا: الكلمة يصير جسدًا، وينصب خيمته بين البشر، ويظهر مجده في شخص المسيح.

وهكذا ينتقل بنا الكتاب من الحضور المحجوب، إلى الحضور المسكني، إلى الحضور المتجسّد.

ومن هنا يمكن أن نفهم بصورة أعمق كلام موسى النبي وطلبه من الله أن يسير في وسط شعبه:

«إِنْ وَجَدْتُ نِعْمَةً فِي عَيْنَيْكَ أَيُّهَا السَّيِّدُ فَلْيَسِرِ السَّيِّدُ فِي وَسَطِنَا، فَإِنَّهُ شَعْبٌ صُلْبُ الرَّقَبَةِ. وَاغْفِرْ إِثْمَنَا وَخَطِيَّتَنَا وَاتَّخِذْنَا مُلْكًا» (خروج 34:9).

إنّ طلب موسى هو أن يكون الرب في وسط شعبه، وأن لا تكون مسيرتهم منفصلة عن حضوره. وفي قراءة مسيحية، يبلغ هذا الطلب ذروته في التجسّد: الله الذي طلب موسى أن يسير في وسط شعبه يأتي في ملء الزمان، لا ليظهر في السحاب فقط، ولا ليسكن في خيمة من قماش أو هيكل من حجارة، بل ليأخذ طبيعتنا البشريّة ويسكن بيننا.

وهنا يصبح التجسّد هو الامتلاء الأعظم لمعنى «الله معنا»: ليس حضورًا رمزيًا فحسب، ولا حضورًا محصورًا في مكان، بل حضور الكلمة الإلهي في الطبيعة البشريّة.

ولهذا يمكن أن نرى المسار كله في عبارة واحدة:

  • في سيناء: «حيث كان الله» في الظلمة.

  • في المسكن: «الله في وسط شعبه».

  • في المسيح: «الكلمة صار جسدًا ونصب خيمته بيننا».

وهكذا يتحقق ما كان العهد القديم يهيّئ له في صورة ورمز:

الله الذي لا تسعه السماوات، والذي لا يُدرَك جوهره، شاء من محبته أن يقترب من الإنسان إلى أقصى حدود القرب، حتى صار إنسانًا، لكي يكون الله معنا، وفي المسيح يصير الإنسان مسكنًا لحضوره.

من القسم نفسه

 تعريف الأيقونة
الأيقونة
2026-08-14

تعريف الأيقونة

يبدأ المسار من لحظة خَلْق الله للإنسان إلى تألُّه الإنسان بقوى الله غير المخلوقة، التي تنحدر نحوه، هذا إنْ جاهد بحقٍّ وصدق وتوبة، وتنقَّى واستنار. فهدف وجود الأيقونة : الدعوة إلى الصلاة لنصبح أيقونات.

اقرأ المزيد ←