
لاهوت الأيقونة: لماذا نُكرّم الأيقونات؟
لماذا تُكرّم الكنيسة الأرثوذكسيّة الأيقونة ولا تعبدها؟ قراءةٌ في الأساس اللاهوتيّ للأيقونة، من سرّ التجسّد إلى التمييز الدقيق بين الإكرام والعبادة.
اقرأ المزيد ←
هل الأيقونة مخالفة لوصية الله؟ هل لا يحق للكنيسة أن يدون عندها أيقونات؟ هل الأيقونة وثنية؟
"لاَ تَصْنَعْ لَكَ تِمْثَالًا مَنْحُوتًا، وَلاَ صُورَةً مَا مِمَّا فِي السَّمَاءِ مِنْ فَوْقُ، وَمَا فِي الأَرْضِ مِنْ تَحْتُ، وَمَا فِي الْمَاءِ مِنْ تَحْتِ الأَرْضِ. لاَ تَسْجُدْ لَهُنَّ وَلاَ تَعْبُدْهُنَّ، لأَنِّي أَنَا الرَّبَّ إِلهَكَ إِلهٌ غَيُورٌ" (خروج 4:20-5 / تثنية 8:5-9)
كذلك نقرأ في سفر اللاويين: "لاَ تَصْنَعُوا لَكُمْ أَوْثَانًا، وَلاَ تُقِيمُوا لَكُمْ تِمْثَالًا مَنْحُوتًا أَوْ نَصَبًا، وَلاَ تَجْعَلُوا فِي أَرْضِكُمْ حَجَرًا مُصَوَّرًا لِتَسْجُدُوا لَهُ. لأَنِّي أَنَا الرَّبُّ إِلهُكُمْ" (لاويين 1:26). وأيضًا في سفر تثنية الإشتراع: "مَلْعُونٌ الإِنْسَانُ الَّذِي يَصْنَعُ تِمْثَالًا مَنْحُوتًا أَوْ مَسْبُوكًا، رِجْسًا لَدَى الرَّبِّ عَمَلَ يَدَيْ نَحَّاتٍ، وَيَضَعُهُ فِي الْخَفَاءِ. وَيُجِيبُ جَمِيعُ الشَّعْبِ وَيَقُولُونَ: آمِينَ" (تثنية 8:5-9)
الجواب هو: كلا. فالكنيسة لا تُخالف وصيّة الربّ، بل تفهمها في ضوء سرّ التجسّد الإلهي، وذلك للأسباب التالية:
في العهد القديم، نهى الله شعبه عن صنع الصور والتماثيل بقصد عبادتها (خر 20: 4-5)، لأنّ الإنسان لم يكن قد رأى الله في صورة منظورة، ولأنّ شعب إسرائيل كان محاطًا بالأمم الوثنيّة التي كانت تصنع الأصنام وتعبدها. لذلك، لم يكن ممكنًا تصوير الله غير المنظور، وأيّ محاولة بشريّة لتحديد صورته كانت ستقود إلى تصوّرات من صنع الإنسان أو إلى تأثّر بالعبادات الوثنيّة المحيطة.
أمّا في العهد الجديد، فقد دخلت البشريّة في واقع جديد بتجسّد ابن الله. فالكلمة الأزلي، الذي هو «صورة الله غير المنظور» (كو 1: 15)، صار إنسانًا حقيقيًّا ما خلا الخطيئة، وعاش بين البشر، ورآه الرسل ولمسته أيديهم (1 يو 1: 1). لذلك، لم تعد صورة المسيح أمرًا مستحيلًا، لأنّ الذي كان غير منظور قد ظهر في الجسد، وصار بالإمكان تصويره بحسب ناسوته الحقيقي، دون أن يعني ذلك تصوير اللاهوت أو حصره في شكل مادّي.
من هنا، أصبحت الأيقونة شهادةً لإيمان الكنيسة بسرّ التجسّد، فهي لا تمثّل مجرّد شخص تاريخي، بل تعلن أنّ الله أحبّ الإنسان إلى درجة أنّه أخذ طبيعتنا البشريّة وظهر بيننا. وكما يقول الإنجيل: «والكلمة صار جسدًا وحلّ بيننا» (يو 1: 14).
وقد عبّر الآباء القدّيسون عن هذا الإيمان، ومن بينهم القديس باسيليوس الكبير، الذي نُسبت إليه العبارة الشهيرة:
ومعنى هذه العبارة أنّ الإكرام لا يُقدَّم للمادّة بحدّ ذاتها، أي للخشب أو الألوان، بل للشخص الذي تمثّله الصورة. فإذا كانت الأيقونة تُصوّر المسيح، فإنّ الإكرام يعود إلى المسيح نفسه؛ وإذا كانت تُصوّر والدة الإله أو أحد القدّيسين، فهو تكريم للشخص المرتبط بالله وشاهد الإيمان، وليس عبادة للصورة.
وهذا المبدأ يوضح الفرق بين الأيقونة والصنم: فالصنم يُعبد باعتباره إلهًا أو مسكنًا لقوّة إلهيّة، أمّا الأيقونة فهي علامة تشير إلى شخص حقيقي، وترفع ذهن المؤمن وقلبه نحو الأصل الذي تمثّله.
وقد دافع القديس يوحنا الدمشقي عن هذا الإيمان بقوله إنّه بعد أن ظهر الله في الجسد وأصبح منظورًا، صار من الممكن تصويره، لأنّ رفض تصوير المسيح يعني في النهاية إنكار حقيقة تجسّده. فالأيقونة لا تُصوّر طبيعة الله غير المنظورة، بل تُعلن أنّ ابن الله أخذ طبيعتنا البشريّة وصار إنسانًا منظورًا.
ولهذا السبب، أكّد المجمع المسكوني السابع المنعقد في نيقية سنة 787م شرعيّة إكرام الأيقونات، معلنًا أنّ الإكرام الموجّه إلى الصورة ينتقل إلى الأصل الذي تمثّله، وأنّ العبادة الخاصة بالله وحده لا تُقدَّم إلا للثالوث القدّوس.
كما تشهد الآثار المسيحيّة الأولى على أنّ استخدام الصور للتعبير عن الإيمان لم يكن أمرًا طارئًا، بل يعود إلى القرون الأولى للمسيحيّة. ومن أبرز هذه الشواهد رسوم دياميس روما، وجداريّات كنيسة دورا أوروبوس (Dura-Europos) في سوريا، التي تعود إلى القرن الثالث الميلادي، حيث استخدم المسيحيّون الصور لتعليم الإيمان وتذكير المؤمنين بأحداث الخلاص.
وهكذا، فالأيقونة ليست عودة إلى عبادة الأصنام، بل هي ثمرة الإيمان بسرّ التجسّد: فبما أنّ الله صار منظورًا في شخص يسوع المسيح، «أصبحت الصورة المقدّسة إعلانًا مرئيًّا لحضور الله وعمله الخلاصي في العالم.»

لماذا تُكرّم الكنيسة الأرثوذكسيّة الأيقونة ولا تعبدها؟ قراءةٌ في الأساس اللاهوتيّ للأيقونة، من سرّ التجسّد إلى التمييز الدقيق بين الإكرام والعبادة.
اقرأ المزيد ←للأيقونة أبجديّةٌ خاصّة: الهالة والذهب والألوان والمنظور المعكوس وملامح الوجه. دليلٌ موجز إلى قراءة الأيقونة الأرثوذكسيّة بعين الكنيسة لا بعين المتفرّج.
اقرأ المزيد ←من مراسيم لاون الثالث إلى مجمع نيقية الثاني سنة ٧٨٧ ثم أحد الأرثوذكسيّة سنة ٨٤٣: كيف حفظت الكنيسة الأيقونة، ولماذا كانت المسألة مسألةَ إيمانٍ بالمسيح.
اقرأ المزيد ←