

تعريف
أيقونة للقدّيس ديمتريوس المفيض الطيب من القرن السادس عشر (الأرجح من مقدونيا)
تجمع الأيقونة بين صورة المحارب وصورة الإنسان الذي يسعى إلى الثبات في الله.
يبلغ ارتفاع الأيقونة حوالي 37.8 سم وعرضها 27.8 سم. وهي من محفوظات The Temple Gallery في لندن الذي أسسه الخبير الفنّي Richard Temple عام 1959م.
الإكليل أو العصابة
نشاهد على رأس القدّيس إكليل أو عصابة رأس مرصّعة (Diadem /Coronet)، وتُعرف باسم عصابة النّصر أو إكليل الاستشهاد والملوكيّة.
لها عدة دلالات روحيّة وتاريخيّة:
رمز الاستشهاد (Martyrdom): يُشير اللون الأحمر إلى الدم الذي بذله القدّيس ديمتريوس في سبيل إيمانه، حيث نال سر الاستشهاد ممزقًا بالرماح عام 306 م.
إكليل المجد والظفر: يُصوّر الفن الإيقونغرافي القدّيسين العظماء، لا سيما الجنود منهم، وهم يرتدون عصابات رأس مرصّعة بالجواهر كعلامة على "إكليل الحياة" والنّصر الرّوحي الذي نالوه في السماء (مثلما يظهر في بعض الأيقونات ملاك يضع الإكليل على رؤوسهم).
المكانة النبيلة والخدمة العسكرية: تعكس العصابة أيضًا الزي الرّسمي النبيل لضباط القوّات الرومانيّة رفيعي المستوى؛ إذ كان القدّيس ديمتريوس قائدًا عسكريًّا ومن عائلة قنصليّة عريقة في مقدونيا وتسالونيك.
نظرة القدّيس
نظؤته في الأيقونة نظرة داخليّة إلى عمق النفس وتطلب الهدوئيّة Hesychasme. كأنه يقول بذلك أن النّصر المسيحيّ يكمن في خلاص النفس. نظره يجمع بين الهدوء الداخلي الصارم والشجاعة، صحيح أن جسده في المعركة بينما روحه متّصلة بالسلام الإلهي.
وجه القدّيس وتفاصيله
نشاهد القدّيس بملامح شابّة ومن دون لحية، لكونه استُشهد في سنّ الشباب، وتجسيدًا للطهارة والنقاء اللذين كان يتحلّى بهما.
وجهه مليء بالسلام والهدوء ولا يوجد ملامح غضب أو شعور وحشي مع أنّه في خضم معركة ضروسة. هذا يشير إلى هدوء النفس في المسيح.
العينان: عيناه واسعتان ترمزان إلى تطلّعه الدائم نحو الملكوت السماوي، عشقه الأبدي.
الفم: فمه صغير، يرمز إلى الصمت، ليكون الربّ هو المتكلّم.
الأذنان: أذناه كبيرتان، ترمزان إلى الإصغاء إلى كلمة الله.
الشعر: شعره قصير ومرفوع، ويرمز إلى شعر المحارب.
الهالة الذهبية (Halo)
تحيط برأسه دائرة كاملة مذهَّبة محفورة بخطوط دقيقة، وهي الرمز الكلاسيكي للقداسة، والنّور الإلهي، والحياة الأبدية التي نالها.
الدرع
الدرع الصدري الفضي (Cuirass) يُغطي صدر القدّيس لحمايته. ويرمز إلى الفضائل المسيحيّة والنعمة الإلهيّة التي تحمي الجسد والرّوح معًا.
اللون الفضي يعكس النقاء الرّوحي، بينما تداخل اللون الأزرق يرمز إلى السّماء والسّمو الرّوحي، والالتزام بالملكوت السّماوي فوق الممالك الأرضيّة.
الوشاح أو العباءة الطائرة
يرتدي القدّيس وشاحًا أو عباءةً (Chlamys) ونشاهدها طائرة عباءة داكنة تطير خلفه. يمثل هذا الوشاح الرداء العسكري الرّسمي للحكّام والضبّاط الرّومان ذوي الرتب الرّفيعة.
طيران العباءة للخلف يمنح الأيقونة ديناميكيّة وحركة، ويُظهر السرعة التي هبّ بها القديّس للدفاع عن مدينته وإيمانه.
القميص أو التونيك الأحمر (Tunica)
يظهر تحت الدرع وعلى الأكمام باللون الأحمر الساطع قميصٌ، وهو لباس الجند الرّومان، ويدل على التضحية والشجاعة والاستعداد لبذل الدم.
فاللون الأحمر يشير إلى دم الرّب يسوع المسيح الذي سفكه المخلّص على الصليب.
الرّمح واللجام
يمسك القدّيس بالرّمح بيد واحدة بخفّة واقتدار واليد الأخرى تمسك اللجام الأحمر.
يرمز الرّمح الطويل إلى سلاح الإيمان والحق الذي يقهر الباط..
يرمز اللجام إلى التحكّم في الذّات والسيطرة على الأهواء والغرائز (التي يمثّلها الحصان ثائر الحركة).
الحصان الأحمر (الجواد النّاري)
لون الجواد الأحمر المائل للوردي البني هو الدليل القاطع على أن الأيقونة للقدّيس ديمتريوس وليست للقدّيس جاورجيوس (الذي يمتطي حصاناً أبيض).
يُرمز للجواد الأحمر بـ "الحصان الناري"، تيمنًّا بمركبة إيليّا الناريّة، ولون الحصان الأحمر بشكل عام يعزّز الإحساس بالحيويّة والتضحية والجهاد الظافر. فالقديّس لا يبدو منفصلًا عن الجهاد، بل منخرطًا فيه بفاعليّة، ومع ذلك، لا تختزل هويته الروحيّة في القوّة الجسديّة.
كذلك يرمز اللون الأحمر إلى الاستشهاد فهو لون الدم. والقدّيس ديمتريوس هو شهيد المسيح بكل شجاعة ولم يخف. وأيضًا يرمز إلى لهيب الغيرة الروحية المتوقدة، والقوة العاصفة في الحرب ضد الشر.
يقف الحصان على رجليه الخلفيتين كأنه يقفز أو يثب، مما يعطي إحساسًا بالمعركة الشرسة والتقدّم نحو النّصر.
عند ذيل الحصان يظهر نقش مربعات باللونين الأبيض والأسود (الشطرنجي وهو رمز عسكري تقليدي يربط القطع ببعضها، ويمثّل في الفن تباين الحياة والموت، والنّور والظلمة في المعركة الرّوحيّة.
الحبال والأحزمة الحمراء على جسم الحصان تعكس الترتيب والنظام العسكري الفائق. كما تشير إلى ضبط أهواء الإنسان وتوجيه طاقاته إلى التنقية والاستنارة والتألّه لتصبح القوّة مثمرة حين تهتدي بالإيمان والتمييز الرّوحي.
الخلفيّة الذهبيّة
تمثل الخلفيّة الذهبيّة أو المغرة (Ochre/Gold) (التي تآكلت بفعل الزمن ليظهر لون الخشب الأصلي والجبس السفلي) "الملكوت" أو النّور غير المخلوق. في فن الأيقونات، لا توجد أبعاد للمكان أو الزمان الأرضي، فالخلفيّة الذهبيّة تنقل المشهد من حدث تاريخي عادي إلى فضاء أبديّ مقدّس.
الكتابة اليونانيّة
يوجد في الأعلى كتابة يونانيّة باللون الأحمر مشوهة جزئيًّا. هي تدل على اسم القدّيس وصِفته لتوثيق هويّة الأيقونة رسميًّا.
القسم السّفلي المتآكل
يظهر في الأسفل بقايا طلاء أزرق وأحمر وألوان ترابيّة للأرض وللعدو المهزوم، وتآكل هذه الطبقة السفليّة يعود لتعرّض الأيقونة للمس والتقبيل من المؤمنين عبر القرون (حيث جرت العادة في الكنائس على تقبيل أسفل الأيقونة كنوع من التوقير).
في الخلاصة
نشاهد الحصان منطلقًا في عَدْوه، بينما وجه القدّيس هادئًا ومتّزنًا، متّجهًا إلى الداخل في تأمّل عميق. العالم يتحرّك من حولنا لكن من يشتهي الملكوت يظلّ متنبّهًا روحيًّا.
السكون الداخلي لا يعني عدم الحركة أو الامتناع عن الفعل. فقد يواجه الإنسان اضطرابًا شديدًا في محيطه الخارجي، فيما يسعى في أعماقه إلى السّلام والشركة مع الله. قد ينتصر الإنسان في الخارج، لكن جهاده الأعمق هو أن يحفظ قلبه ثابتًا وتائبًا في الصلاة ومحبة الله.
الأب أثناسيوس شهوان

