
صحيحٌ أنَّ هناك دلالات شائعة لبعض الألوان المستعملة في الأيقونة، كاللون الخمري الذي يُستخدم غالبًا للدلالة على الألوهة، والأزرق الذي يشير إلى الإنسانيّة؛ إلّا أنَّه، في الحقيقة، لا توجد قاعدة قاطعة أو قانون ثابت وملزم يحدّد معاني الألوان في الأيقونة. فهذه الدلالات تنتمي إلى تقاليد رمزية وأيقونوغرافية متوارثة، ولا ينبغي التعامل معها بوصفها نظامًا صارمًا وثابتًا ينطبق على جميع الأيقونات.
صحيح أنَّ للألوان دورًا مهمًّا في عملية التصوير الأيقونوغرافي، وأنَّ لها دلالات ورموزًا متوارثة تختلف باختلاف الموضوع والمدرسة والفترة التاريخية، إلّا أنَّ اختزال الأيقونة في قواعد لونيّة ثابتة يُغفل مقصدها الأعمق.
فالمعنى الأهم لا يكمن في اللون بوصفه عنصرًا قائمًا بذاته، بل في ما يكشفه التصوير الأيقونوغرافي ويشير إليه؛ إذ تتجاوز الأيقونة حدود المنظور الحسّي والمادي، لتفتح البصيرة على بُعدٍ إلهيٍّ يتخطّى ما هو منظور، أي على ما هو أبعد من المنظور (au-delà / beyond). ومن هنا، لا تكون الألوان غاية في ذاتها، بل تدخل في لغة الأيقونة التي تهدف إلى الإشارة إلى الحقيقة الإلهيّة، من هنا يقال أن الأيقونة هي نافذة إلى الملكوت ولها بعد ثالث غير منظور وهو العلاقة بين المؤمن والأيقونة. (البعدان المنظوران هو الطول والعرض).
يُعَدُّ القدِّيس الذي عُرف باسم ديونيسيوس الأريوباغي «Pseudo-Denys l’Aréopagite» (أواخر القرن الخامس–أوائل القرن السادس الميلادي) من المراجع المسيحية المبكرة المهمّة في مجال الرمزية اللاهوتية للألوان «Le symbolisme». وقد تطرّق إلى معاني الألوان وما تشير إليه في سياق اللغة الرمزيّة المسيحيّة. وتكتسب هذه الكتابات أهميّة خاصة في دراسة الرمزيّة التي أسهمت في تشكيل لغة الأيقونة وفهم أبعادها اللاهوتيّة. إلّا أنَّ في الكنيسة استعمالاتٍ متعدّدةً للألوان عبر التاريخ.
فمثلًا، من الشائع أن ترتدي والدة الإله اللون الخمري من الخارج، للدلالة على أنّها لبست المجد الإلهي، واللون الأزرق من الداخل، لكونها إنسانة؛ على عكس ما يرتديه الرّب، إذ هو إله وقد لبس الإنسانيّة. إلّا أنّنا نجد ثوب والدة الإله الخارجي باللون الأزرق الداكن في فسيفساء من القرن التاسع الميلادي في كاتدرائيّة آيا صوفيّا في القسطنطينيّة.
كذلك نجد لون ثياب والدة الإله داكنًا جدًّا في الأيقونة الشّهيرة من القرن السّادس الميلادي، المحفوظة في دير القدّيسة كاترينا في سيناء، حيث نرى والدة الإله جالسة على العرش، وعن يمينها القدّيس ثيوذورس، وعن يسارها القدّيس جاورجيوس، وخلفها ملاكان.
وهكذا نرى أنّ هناك تنوّعًا في استعمال الألوان، وأنّ اللون نفسه قد يحمل معاني ودلالات متعدّدة، أي ما يمكن وصفه بمفهوم تعدّد الدلالة (Polyvalence).
ومن المهم جدًّا أن نفهم مفهوم الألوان ودلالاتها في الحضارات والثقافات التي أحاطت بمحيط انتشار المسيحيّة، سواء في بلاد كنعان، أو مصر، أو بلاد ما بين النهرين، وغيرها، وكذلك في الفكرين اليهودي واليوناني والروماني. فقد امتلكت كلٌّ من هذه الحضارات منظومتها الخاصة في فهم الألوان ودلالاتها الرمزيّة والروحيّة، مع وجود أوجه تشابه واختلاف فيما بينها.
ومن المهم أيضًا أن ندرك أن الفن الأيقونوغرافي المسيحي لم يكن مجرّد امتداد مباشر لهذه التقاليد السّابقة، وإن استفاد من بعض عناصرها وتأثر بها؛ بل تطوّر تدريجيًا ليكوّن هويّة فنيّة ولاهوتيّة خاصة به، أعاد من خلالها توظيف بعض الرموز والألوان والأشكال ضمن منظومة مسيحيّة جديدة، تتوافق مع العقيدة والليتورجيا والرؤية الروحيّة للمسيحيّة.

