قبل البدء بشرح الوجه في الأيقونة لا بد من شرح معنى الوجه في العمق اللاهوتي المسيحي.

اللاهوت يُعاش، وعندما يتقدّس الإنسان، يصبح وجهه منيرًا. هذا ما تبرزه الأيقونة. بالإضافة إلى ذلك، هناك خصائص في تصوير الوجوه، وهدف هذه الخصائص هو إظهار كيف استعمل القدّيس حواسه البشرية في جهاده وصلواته ليتّحد بالله.

فما أجمل ما نصلّيه في المزمور الخمسين الشهير في صلواتنا، والمعروف بمزمور الرحمة: «لا تطرحني من قدَّام وجهك، وروحَك القدُّوس لا تنزعه مني» (مزمور 50: 11). في اليونانية ἀπὸ τοῦ προσώπου σου أي “من أمام وجهك” أو: “من حضورك”.

أجملُ ما في الخلق الإنسانُ. وقد تكون أيقونة خلق الإنسان أجمل الأيقونات، بحيث نرى فيها أنَّ وجه آدم هو وجه الربِّ يسوع المسيح، والربُّ ينفخ في آدم نسمة الحياة. هذا ليقول لنا: «لا تقل فقط يا إنسان إنَّك من التراب وإلى التراب تعود، بل إنَّك مِن الله وإليه تعود».

الأيقونة تعطي مقصد وجودنا، أي أن يكون وجهنا مثل وجه يسوع. هذا يعني أن نكون كلُّنا مثله، لأنَّ الوجه هو شخصنا بالكامل. هو قلبنا ومشاعرنا وتصرُّفاتنا ومكنوناتنا وذهننا، هو نحن بالكلِّيَّة. فما أجمل الوجه المستنير. من هنا تمامًا تأتي المقولة الشعبيَّة: «هذا الإنسان عليه وجه الله». بالمقابل، هناك مقولة شعبيّة تشير إلى عدم الصدق: “هذا الشخص عنده ألف وجه ووجه”.

نقراء في أول اصحاح من الكتاب المقدس: “فِي الْبَدْءِ خَلَقَ اللهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ. وَكَانَتِ الأَرْضُ خَرِبَةً وَخَالِيَةً، وَعَلَى وَجْهِ الْغَمْرِ ظُلْمَةٌ، وَرُوحُ اللهِ يَرِفُّ عَلَى وَجْهِ الْمِيَاهِ. وَقَالَ اللهُ: «لِيَكُنْ نُورٌ»، فَكَانَ نُورٌ.” (تكوين 1: 1-3).

(شرح كلمة وجه بيبليًّا – أنقر هنا)

تفاسير كثيرة أتت حول معنى «وكانت الأرض خَرِبة وخالية» ، كذلك الترجمات عن النصِّ العبريِّ الأصليِّ  «wā-ḇō-hū ṯō-hū»، ولكنَّ جميعها صبَّ في المعنى العميق للآية: ليس لها شكل، أو شكلها غير منتظم، كذلك تفتقر إلى الترتيب، وأيضًا بدون شكل أو بنية واضحة. بالإضافة إلى أنَّها مساحة واسعة لكنَّها خالية، وتفتقر إلى الحياة. وإن لم توجد الحياة فلا يوجد نور، لهذا، فأوَّل ما خلق الله كان النور، إذ قال: «ليكن نور»، فكان نور (تكوين 1: 3).

كما أتت ترجمتها في مرجع أرثوذكسيٍّ بيبليٍّ مهمٍّ جدًّا  Orthodox Study Bible: «غير منظورة وغير مكتملة». هذا كلُّه يعني أنَّه مهما كانت الأرض كبيرة تبقى غير منظورة من دون النور، ولم تصل إلى كمالها بعد. وهذا بالتأكيد ينطبق علينا، فمهما علا شأننا وعظمنا، فبدون النور، وتحديدًا النور الإلهيَّ، نبقى قابعين في الظلام الحالك، وفارغين. ويكون فينا الخراب والتشويش والإنتاج غير المثمر، والفشل والمجد الباطل، وما يتبعه من هلاك. بكلمة واحدة: إنَّها الفوضى رديفة الخراب.

يعطينا سفر أيُّوب معنًى واضحًا جدًّا في ذلك، فيقول: «يعرِّج السَّفْرُ عن طريقهم، يدخلون التيه (tō-hū) فيَهلكون» (أيُّوب 6: 18).

حياتنا كلُّها سفرة في الزمن المحدود لنعبر إلى الزمن غير المحدود، إلى الحياة الأبديَّة. فإن أضعنا الطريق الَّذي هو المسيح، وفقدنا النور الإلهيَّ الَّذي هو أيضًا المسيح، دخلنا التيه، وضللنا في أهوائنا القاحلة والمميتة، وخسرنا المياه العذبة الَّتي لا تنضب، مياه الروح القدس الَّتي تروينا وتشفينا وتهدينا.

بالعودة إلى الآية الثانية من سفر التكوين، نجد الارتباط الوثيق بين الأرض خربة وخالية، وبين عبارة «وعلى وجه الغَمر ظلمة». فكلمة وجه تشير أيضًا إلى الشيء المطلِّ.

هنا نسأل أنفسنا: «ما الَّذي يحوم فوقنا وعلى وجهنا، ويسيطر علينا؟ أهي الخطيئة أم روح الله؟». ولكن مهلًا، مهما كبرت الخطيئة لا تستطيع أن تصبح فوقنا وتتغلَّب علينا، إذا تبنا توبة صادقة، وطلبنا روح الله المحيي القدّوس.

نعم، إلهنا إله شخصيٌّ وتجسَّد وصار إنسانًا وبقي إلهًا بالطبع. هو يكلِّمنا وجهًا لوجه، ولا يريدنا أن نهرب من أمامه، كما حصل مع آدم وحوَّاء قديمًا بعد أن خالفا وصاياه: «وسمعا صوت الربِّ الإله ماشيًا في الجنَّة عند هبوب ريح النهار، فاختبأ آدم وامرأته من وجه الربِّ الإله في وسط شجر الجنَّة» (تكوين 3: 8).

فلنتُبْ عوضًا من أن نهرب ، لأنَّه لا يوجد مكان أوَّلًا لنختبئ فيه من وجه إلهنا، ومن حضوره وشخصه، وثانيًا هو ينادينا كما نادى آدم: «أين أنت؟» (تكوين 3: 9). لنسأل أنفسنا: «أين نحن؟ أفي طريق الربِّ أم في طريق التيه والضلال؟».

طريق العودة دائمًا مفتوحة، وما أجمل ما نصلِّيه في صلاة التاسعة، أي صلاة الساعة الثالثة بعد الظهر، الَّتي فيها طُرِدَ آدم وحوَّاء من الفردوس، وأيضًا فيها انحدر الربُّ إلى الجحيم ليقيمهما من جديد، ويقيمنا جميعًا معه من بين الأموات، ويشرق نوره في حياتنا، فنقول ما أتى في المزمور: «ليترأَّف الله علينا ويباركنا، ويضئ وجهه علينا ويرحمنا» (مزمور 67: 1).

ختامًا، المعنى اللاهوتيُّ لكلمة وجه، يتخطَّى البُعد اللغويَّ، فيتكلَّم على شخص ذي قيمة وُجوديَّة وهو في شركة مع الآخرين. وهي شركة محبَّة لا محدودة. من هنا أتى الله إلينا من فيض محبَّته اللامتناهية، لنكون في شركة معه، ويعيد وجهنا الضائع إليه، ولا نكون شخصية خَرِبة وخالية، ويغمرنا الظلام.

إلى الرب نطلب.

التعليقات معطلة.