العينان في الأيقونة في الوجه المواجه (frontal) مفتوحتان وواسعتان، ونظرهما موجّه إلى الناظر مباشرةً إلى الأيقونة، تخاطبانه بحضور إلهي. وقد تكون العينان تحدّقان في الملكوت السماوي، تعبيرًا عن أن هدف المؤمن هو ملكوت السماوات. كأننا بذلك ننشد مع المزمور القائل:

“لَكَ قَالَ قَلْبِي: «قُلْتُ: اطْلُبُوا وَجْهِي». وَجْهَكَ يَا رَبُّ أَطْلُبُ. لاَ تَحْجُبْ وَجْهَكَ عَنِّي” (مزمور 27: 8-9).

الإنسان المصلّي يلهج دائمًا بالرب، أينما وجد وفي أي وقت كان. يطلب ما هو أبعد (Beyond / Au-delà)، فهو عائش على الأرض، وفي الوقت نفسه قلبه في السماء. هذه هي الثيوريّا (Theoria)، أي المعاينة الإلهية، كما نصلّي في القانون الكبير للقدّيس أندراوس الكريتي:

“يا نفسُ! اسهري وأرضي الله مثل العظيم في رؤساء الآباء، لتمتلكي عملًا مع علمٍ، وتصيري عقلًا ناظرًا إلى الله. وتبلُغي بالثّاوريا إلى السحابة التي لا يُدْخَل إليها، وتصيري تاجرًا خطيرًا.” (الأودية الرابعة).

إنها اليقظة الدائمة: “اُصْحُوا وَاسْهَرُوا، لأَنَّ إِبْلِيسَ خَصْمَكُمْ كَأَسَدٍ زَائِرٍ، يَجُولُ مُلْتَمِسًا مَنْ يَبْتَلِعُهُ.” (1بطرس 5:8).

فالمؤمن في حالة صلاة دائمة، يطلب الرحمة والتوبة والمعونة، ويصلّي الصلاة القلبية: “يا ربي يسوع المسيح، يا ابن الله الحي، ارحمني أنا الخاطئ.” وعيناه ترافق آية المزمور: “عَيْنَايَ دَائِمًا إِلَى الرَّبِّ، لأَنَّهُ هُوَ يُخْرِجُ رِجْلَيَّ مِنَ الشَّبَكَةِ.” (مزمور 25:15).

وطبعًا لا ننسى ما قاله الرب يسوع المسيح في عظة الجبل: “سِرَاجُ الْجَسَدِ هُوَ الْعَيْنُ، فَإِنْ كَانَتْ عَيْنُكَ بَسِيطَةً فَجَسَدُكَ كُلُّهُ يَكُونُ نَيِّرًا، وَإِنْ كَانَتْ عَيْنُكَ شِرِّيرَةً فَجَسَدُكَ كُلُّهُ يَكُونُ مُظْلِمًا، فَإِنْ كَانَ النُّورُ الَّذِي فِيكَ ظَلاَمًا فَالظَّلاَمُ كَمْ يَكُونُ!” (متى 6:22-23).جيّد أن نعرف ماذا تعني “عينك بسيطة”.

الكلمة الأصلية في اللغة اليونانية هي ἀπλοῦς وتعني بسيطًا، وغير مُركَّب. وقد يمتد المعنى أيضًا إلى مجرَّد من أي أهواء واشتهاء. مثلاً، نقول قطعة قماش مطوية طيّة واحدة، وليس طيّات متتالية متعرجة ومعقدة. أو نقول شيئًا غير معقّد، بسيط ومجرد. الهدف من كلّ هذا هو ألا يكون عندنا أهواء متضاربة، وشخصيات مزدوجة، ومسلكيات متعرجة، وطرق متعددة نتبعها، فيميل قلبنا إليها وتستعبدنا. بل تكون طريقنا واحدة هي المسيح. هذا يتوضح جليًا في الآية التي تليها مباشرةً: “لا يقدر أحد أن يخدم سيدين” (متى 6:24).

إما يميل قلب الإنسان إلى الرب، أو يميل إلى شيء آخر؛ الاثنان لا يجتمعان معًا ولا يلتقيان.

العين البسيطة إذًا هي العين النقية والشفافة، والسالكة باستقامة، كما قال القديس يوحنا المعمدان: «صَوْتُ صَارِخٍ فِي الْبَرِّيَّةِ: أَعِدُّوا طَرِيقَ الرَّبِّ، اصْنَعُوا سُبُلَهُ مُسْتَقِيمَةً». (مر 1: 3). وهذا ما قاله النبي هوشع قديمًا: “مَنْ هُوَ حَكِيمٌ حَتَّى يَفْهَمَ هذِهِ الأُمُورَ، وَفَهِيمٌ حَتَّى يَعْرِفَهَا؟ فَإِنَّ طُرُقَ الرَّبِّ مُسْتَقِيمَةٌ، وَالأَبْرَارَ يَسْلُكُونَ فِيهَا، وَأَمَّا الْمُنَافِقُونَ فَيَعْثُرُونَ فِيهَا.” (هوشع 14: 9).

كذلك، وسع العينين يشير إلى أن عاشق الرب، حتى وهو نائم، قلبه يطلب وجه الله، خاصة عندما يصبح ذهنه مستنيرًا: “أَنَا نَائِمَةٌ وَقَلْبِي مُسْتَيْقِظٌ” (نشيد الأنشاد 2:5).

هناك حالات خاصة تكون فيها العينان مغلقتين، مثل عيني الرب يسوع المسيح في وضع الصلب، دلالة على موته في الجسد. مع التذكير أن الرب يسوع المسيح مات على الصليب بطبيعته البشرية، وقام بسلطان طبيعته الإلهية، لأنه إله واحد في الجوهر مع الآب والروح القدس، وتجسّد.

مع العلم أن هناك جدارية قديمة جدًا من القرن الثامن الميلادي نرى فيها عيني يسوع المصلوب مفتوحتين، إشارة إلى أنه انتصر على الموت بسلطان طبيعته الإلهية، وهو الغالب والمنتصر وليس المهزوم.  الجدارية موجودة في بازيليك القدّيسة ماريا ماجوري (أنتيكا) في إيطاليا مِن رسمٍ أنطاكيّ. يقف يسوع منتصرًا ظافرًا على الموت. وهذا ما قاله القدّيس يوحنا الذهبي الفم: أراك مصلوبًا وأسبّحك كملكٍ.

من هنا نشاهد منذ القرون الأولى إشارة الصليب مع أربعة أحرف يونانية NIKA وتعني “الانتصار”.

وأيضًا في أيقونة إنزال المصلوب، وأيقونة الـ Ἐπιτάφιος (Epitaphios) أي “فوق القبر”، , epí, “on” or “upon”, and τάφος, táphos, “grave” or “tomb”، وهي القماشة التي توضع على المائدة وتُزيح بها في جناز المسيح، وكذلك في أيقونة رقاد والدة الإله.

الحاجبان في الأيقونة ليسا على نفس المستوى، إذ إن الحاجب الأيسر أعلى قليلًا من الحاجب الأيمن. ومراد ذلك أن الحاجب الأيمن يشير إلى الرحمة، بينما الحاجب الأيسر يشير إلى العدالة. ونحن ننشد مع المزمور: “تَفْرَحُ وَتَبْتَهِجُ الأُمَمُ لأَنَّكَ تَدِينُ الشُّعُوبَ بِالاسْتِقَامَةِ، وَأُمَمَ الأَرْضِ تَهْدِيهِمْ. (مزمور 67: 4).

أعطنا يا رب نقاوة طاهرة لنُبصر طريقك ونعمل بوصاياك، فتكون الإله الوحيد الذي نعبده، ونكون لك أبناءً بالنعمة والحق.

التعليقات معطلة.